صديق الحسيني القنوجي البخاري
239
فتح البيان في مقاصد القرآن
فإن قلت : قد جعل غيرهم ملوكا كما جعلهم ، قلت قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء ، فهذا وجه الامتنان . وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي من المن والسلوى والحجر والغمام وكثرة الأنبياء وكثرة الملوك وفلق البحر واهلاك عدوكم وغير ذلك ، والمراد عالمي زمانهم أو الأمم الخالية إلى زمانهم . وقيل : إن الخطاب ههنا لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو عدول عن الظاهر لغير موجب والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أنه من كلام موسى لقومه ، وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيدا لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدسة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أي المطهرة وقيل المباركة ، قال الكلبي : صعد إبراهيم جبل لبنان فقيل له انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك . وقد اختلف في تعيينها فقال قتادة ؛ هي الشام كلها ، وقال مجاهد : الطور وما حوله ، وقال معاذ بن جبل : هي ما بين العريش إلى الفرات ، وقال السدي وابن عباس وغيرهما : هي أريحاء ، وقال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده . الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ أي قسمها وقدرها لَكُمْ في سابق علمه وجعلها مسكنا لكم ، وقال السدي : التي أمركم اللّه بها ، وقال قتادة : أمر القوم بها كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة ، وقال الكرخي : أمركم بدخولها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم إن آمنتم وأطعتم ، فلا ينافيه قوله : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ المائدة : 26 ] لأن الوعد مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط . وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبنا وفشلا فَتَنْقَلِبُوا بسبب ذلك خاسِرِينَ لخيري الدنيا والآخرة . قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال الزجاج : الجبار من الآدميين العاتي وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه فإنه يجبر غيره على ما يريده ، يقال أجبره إذا أكرهه ، وقيل هو مأخوذ من جبر العظم ، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعا بحق أو باطل ، وقيل إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه .